الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات

الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 8 إلى 14 من 17

الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات

  1. #8
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /39/ السنة 1942 الصفحة 6، 7، 8.
    الأيام الماضية
    ابتعدت عن عامودا بعد ثلاث سنوات من حياة المرارة والفرح. تحلق بعض اصدقائي الأوفياء وتلاميذي الأمناء حول سيارتنا. لم أرَ بعض الزملاء ، يعلم الله! لم يكونوا خائنين، ربما لم يأتوا حتى لايروا مشهد الفراق والوداع المؤثر، ربما لا يستطيعون أن يتحملوا هذا .
    ضممت الاصدقاء والدموع تنهمر من عيوننا، شددنا أيدينا بحرارة وقلوبنا تقول: (سنبقى دائماً أصدقاء وأخوة).
    عندما تحركت السيارة، سالت دموعي بدون شعور مني، من جهة لفراق أصدقائي ومن جهة أخرى بسبب ألم الجرح الذي كان في مؤخرتي إنه يؤلمني كثيراً، كانت روحي تهتز، لم أعرف أن ألم هذا الجرح يطول كثيراً. ترى ماذا كتب القدر لي ؟.
    مضت الأيام بحلوها ومرها في مدينة عامودا. أرى نفسي في النهاية قبيح المنظر. عندما كنت أذهب إلى المدرسة وأعود إلى البيت كان يوجد على الطريق كلبة وجروان ، كانت الكلبة تعوي وتهجم علي، وكان أحد الجروين ذئبياً وأعور، ومحروق الوجه والجرو الآخر مدور الوجه . يبدو أنه مصاب بمرض الزهري. كان ينبح فيخرج صوته مثل السلحفاة التي غصت باللبلاب.
    كان هذان الجروان يريدان أن يقطعا طريقي دائماً. لم أكن أهتم بهما. لم أتذكر يوماً أن أرمي بعض الطعام لأتقي شرهما.
    في يوم من الأيام هجم فجأة علي جرو، ربما كان أعمى وعضني من مؤخرتي. طلب مني الأطباء أن أغيّر الجو. وأشاروا علي بمنطقة (عين ديوار) خرجت سيارتنا بهدوء وعلى مهل من عامودا، ثم أسرعت. رفع الأصدقاء أياديهم حتى غابوا عن نظري. كانت السيارة تسرع كلما تقدمت. كان من الجهة اليسرى للطريق جبال كردستان ومن الجهة اليمنى سهول الجزيرة، وسيلان سبخة عربستان، وكان المطر ينهمر رذاذاً. كان السائق يقول: (أدعو الله ألا يسقط المطر بغزارة حتى نصل إلى القامشلي. حفظنا الله من الوحل والفيضانات، مازال المطر خفيفاً. عندما وصلنا إلى القامشلي كان الماء يبلل وجوهنا. ذهبت للطبيب لينظف جرحي ويضمده من جديد فأعطاني بعض الأدوية. وصلنا إلى ديريك في اليوم التالي، نزلنا عند صديق لي. كانت أحلام تلك الليلة مرعبة ومخيفة حتى أنني استيقظت مراراً فزعاً، وجرحي مازال يؤلمني.
    في الصباح فتشنا عن سيارة لكننا لم نجدها. فركبنا الأحصنة ولجأنا إلى منطقة (عين ديوار). وصلنا بعد ساعتين، استقبلني هناك ثلة من الشباب منهم فتاح ملا صادق ومحمد ملا أحمد، صافحوني بفرح وحماس وشدوا على يدي بحرارة.
    وصلت إلى عين ديوار في الأول من آذار كان كل واحد يقول لي: حظك جيد أن تأتي في بداية الربيع، ربيع عين ديوار مثل ربيع زوزان (مصايف) كردستان. وكلما صادفت شخصاً يكرر علي بهذا الحظ وهذه النعمة، لكن للأسف لم يكن هكذا، لم يكن حظي جيداً! فقد انهمر المطر شهراً وثلاثة أيام ليلاً ونهاراً. ما إن وصلت الى المدرسة حتى واجهتني ألف مشكلة. طلاب المدرسة مثل طلاب عامودا، غالبيتهم كانوا من الأكراد. لذا تعرفنا على بعضنا، وأحببنا بعضنا بسرعة.
    خلال شهر لم أستطيع رؤية شيء حولي، المطر دائم في الليل والنهار. أصبنا بمرض الروماتيزم وتصدأ داخلنا، وكان مرضي ينازع، لم أصدق أن جرحي سيشفى.
    بعد شهر أشرقت الشمس من جديد، واخضرّت الأعشاب، وتفتحت الورود والأزهار الملونة. هذا هو ربيع عين ديوار، ربيع وطني. في الجهة المقابلة تشمخ جبال جودي، موطن النبي نوح وجنوبها يجري نهردجلة ، أمام النهر تظهر جزيرة بوطان موطن مم و زين .
    هذه الأوابد التاريخية الثلاث تحفر في نفسي آثاراً عميقة. وتربط روحي بتراب تلك المنطقة. كان الأصدقاء والزملاء يقولون لي أيام المطر: لا تتضايق سيتوقف هطول الأمطار اليوم أو غداً، بعد ذلك سيأتي الربيع، سنذهب إلى جسر بافت Bafet للتنزه سترى أنه مكان جميل .
    خرجنا في نزهات جميلة. وذهبنا يوماً إلى جسر بافت فأخذنا الطعام وقضينا وقتاً رائعاً. يقولون أن هذا الجسر بني في زمن الأميرمحمد بك دست . إنه مكان رائع يجري دجلة تحت أقدامنا ويلوح برجا بلكBirca Belek أمامنا. وتذوب الثلوج شيئاً فشيئاً عن جبال جودي. بقينا حتى المساء. كان الصديق الجميل والبشوش دائماً محمد ملا يقرأ اجزاء من ديوان الجزري الحزين. يفعل كما الشحرور يشدو بحرية وانطلاق.
    عندما تم اغلاق المدارس للعطلة الصيفية فرحنا للراحة التي ننشدها بعد عناء ثمانية أشهر وحزنت لأنني سأعود إلى دمشق . كان يحز في نفسي أن أترك أصدقاء عين ديوار وعين ديوار نفسها. فقد قال شاعر: (عندما يبقى المرء في مكان ما، فإنه يرتبط بالانسان وبتراب المنطقة بخيوط خفية وعندما يريد أن يغادرها تشد هذه الخيوط قلب المرء وتؤلمه). هذا حقيقة لا انكرها.
    عندما خرجت من عين ديوار مثل يوم خروجي من عامودا . فقد شعرت بغصة في حلقي وامتلأت عيناي بالدموع.
    تمر الأيام والشهور بسرعة هائلة . فقد مضى على بعدي عن تلك الأماكن وأولئك الأصدقاء سنتان. لم أعد أخرج بل انظر حولي فأرى بدلاً عن جبال جودي سراباً خادعاً.
    لم أجد صديقاً يملأ الفراغ الذي تركه محمد ملا ـ جعل الله روحه في جناته ـ والذي تركه تلميذي برو ورمو. ومن ذكريات تلك الأماكن بقي شيء واحداً معي آثار أسنان ذلك الجرو في مؤخرتي ، الجرو الذي لا صاحب له، الجرو الفلتان .
    الجديدة 10 ـ 11 ـ 1942 .


  2. #9
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /52/ السنة 1943 الصفحة 9، 10.
    كلاب المصايف
    إن قصة كلاب المصايف ليست قصة وهمية، ولا هي خيالية ورغم ذلك لم أرها بعيني، بل سمعتها من شخصين، فالاول يدعى صلاح بك رمضان من بلدة الزبداني، والآخر يدعى داوود أفندي من أشرفية القنيطرة.
    جرت العادة منذ القديم، أن تأتي الأغنام من كردستان إلى سوريا وفلسطين وقد تصل إلى مصر أحياناً، إن اغنام كردستان تلقى رواجاً في أسواق تلك الدول، كانوا يطلقون عليها، الاغنام البنية.
    جاء تاجر ذات مرة مع اغنامه من أرضروم إلى سوريا، وبقي فترة في الزبداني، وقد كان الشتاء قاسياً في تلك السنة، حيث تساقطت الثلوج بكثرة، ولم يستطع التاجر أن يخرج بأغنامه من الزبداني، لذلك اضطر أن يبيع أغنامه في البلدة إلى مضيفه، وكان مع التاجر كلب المصايف يحرس الاغنام من اللصوص والذئاب، تثاقل المضيف على ضيفه وطلب منه الكلب أيضاً، خجل الضيف أن يرد مضيفه خائباً، فقدم كلبه الرصاصي اللون الكبير الذي يرد الذئاب عن القطيع، وعاد إلى وطنه ارضروم.
    كانت الغابات والادغال التي تحيط بالزبداني في ذلك الوقت، مأوى الذئاب والوحوش ولبعض الحيوانات البرية الأخرى. وكانت الذئاب بدورها لا تدع أغنام البلدة ترعى بأمان. . . وبعد أن ظهر كلب المصايف هناك، لم تتجرأ الذئاب والحيوانات المتوحشة الاقتراب من القطيع كبر الكلب وشاخ بعد عدة سنوات ولم يستطع أن يرد الذئاب عن القطيع . اجتمعت الذئاب ذات مرة على كلب المصايف بين الغابات والادغال، وكاد أن يودي بحياة الكلب، وعندما عاد الكلب إلى البيت رأه صاحبه الجديد أن الكلب ملطخاً بالدم، مثخن الجراح، ومازال الدم ينزف من جروحه، غضب صاحبه كثيراً ثم ضمد جراحه.
    ضاع الكلب في اليوم التالي، فتش صاحبه عنه كثيراً لكنه لم يجده، قال لنفسه: ربما مات في مكان ما بجروحه المتقيحة.
    فجأة وجد صاحبه أن الكلب ظهر ثانية بعد شهرين، لكن لم يكن وحيداً هذه المرة، فقد جر معه كلبين آخرين أكثر قوة منه، كانا يشبهان الكلب العجوز تماماً حتى أن لونهما يشبه لون الكلب العجوز، فرح صاحبه كثيراً، ولو كان لديه اجنحة لطار من الفرحة. نحر الرجل خروفاً لضيوفه الكلاب ، ووضعه أمامهم.
    استراحت الكلاب الثلاث في تلك الليلة، وفي الصباح الباكر تقدم الكلب العجوز ووراءه الكلبان الضيفان القويان إلى مأوى الذئاب، حيث الادغال والغابات ـ يعلم الله أن لهذه العملية حكمة.
    اتجهت الكلاب الثلاث إلى الوديان... إلى مأوى الذئاب... تقدم الكلب العجوز إلى الوادي وحيداً، وتأخر الاثنان ينتظران. هجمت الذئاب على الكلب العجوز... فجأة انطلق الكلبان القويان كالبرق إلى الذئاب ـ يبلغ عدد الذئاب /50/ ذئباً ـ وبدأت المعركة، معركة حامية، وأخيراً تغلبت الكلاب على الذئاب وخاصة القويان... كانا يرميان الذئب تلو الآخر طريحاً... وثأرا للكلب العجوز. ثم عادت الكلاب إلى البيت، وكان الدم يسيل من أفواههم، نحر الرجل خروفاً آخر بفرح وفخر.
    بعد عدة سنوات من تلك الحادثة، جاء الارضرومي إلى الزبداني ثانية، وروى له الزبداني قصة كلبه بفخر واعتزاز.
    قال الارضرومي: نعم، كل مارويته كان صحيحاً، لأن الكلب عجوز، لايستطيع أن يتغلب على كل الذئاب.
    وفي يوم ما ظهر جروان للكلب، ثم اختفى الكلبان القويان، وقد كان القويان أولاد كلب المصايف، وبعد ثلاثة أشهر مات كلب المصايف العجوز وبقي الجروان .

  3. #10
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    _______________________________________
    * مجلة روناهي العدد /14/ السنة 1943 الصفحة 11 .
    كُلجين
    كُلجين ابنة نورس بك وهي الابنة الوحيدة والبكر أيضاً لوالديها.... لذا كبرت وترعرعت في عز ودلال، فقد كانت كُلجين جميلة جداً لها قامة هيفاء، وشعر أشقر ذهبي، وعيون خضراء، تبلغ من العمر ثماني عشر سنة، اشتهرت بجمالها بين الأهل والعشيرة، وكان الشباب يعشقونها كثيراً، لكن لم يتجرأ أحد أن يتقدم لخطبتها من والدها خوفاً على شعورها .
    كان نورس بك من وجهاء مدينة نولNol ومن أغنيائها وبنفس الوقت رئيس العشيرة، كان رجلاً مجرماً وسفاحاً. كل شخص يكرهه لأن أحداً لم يسلم من شره، ويلوكون سيرته في الأماكن بالسوء،ويترصدون لايذائه والايقاع به.
    يعتبر سيدو آغا عدوه الأول، وهو أيضاً من وجهاء ورؤوساء العشيرة، ومن مؤسسيها، وهو الذي كان يزعج نورس بك ولم يدعه يهنأ حتى في نومه أيضاً.
    كان نورس بك يعرف تماماً أن مكانته تهتز، وإن استمرت هذه الحالة أكثر، فسيخسر العشيرة والممتلكات أيضاً. كان يتوجب عليه أن يجد حلاً لهذه المشكلة التي تزعجه، يفكر ليلاً ونهاراً عسى أن يجد حلاً، وأخيراً وصل إلى نتيجة ترضيه وتخرجه من المشكلة، قال لنفسه:
    ـ إن أصبح سيدو آغا صهري فلن أخاف منه بعد اليوم، ولن يزعجني بشيء.
    قدم نورس بك ابنته المدللة كُلجين إلى سيدو آغا ، وقبل سيدو آغا هدية نورس بك برحابة صدر، وتقدم لخطبتها. لقد تصالح الآغوات والبكوات. خطب سيدو آغا كُلجين ابنة نورس بك، وألبسها خاتم الخطبة، واشترى لها ذهباً، ووزعت كؤوس الشراب. وتحدد موعد الزفاف بعد ثلاثة أشهر، وستكون كُلجين زوجة سيدو آغا.
    لم يسعد نورس بك في نومه منذ مدة طويلة، أما اليوم فسيضع نورس بك رأسه على المخدة للمرة الأولى دون خوف أو قلق بعد هذه المصالحة ،.. وينام قرير العين، لقد نام فعلاً في هناء.
    ماذا جرى لكُلجين المسكينة؟ اسوّدت الدنيا أمام عينيها، كانت ترى كل شيء اسودَ مظلماً، الشمس والقمر والضياء، كيف ستصبح زوجة سيدو آغا ؟ إن لم يبلغ سيدو آغا خمسين سنة من العمر، فلم يكن أقل من خمسين سنة، ومازال على وجهه آثار مرض الجدري، وله عين بيضاء. وعلاوة على هذه العلل والعجز، كان له ثلاث زوجات، وقد تزوجت ثلاث من بناته اللائي يكبرن كُلجين أيضاً.
    الأمل هو الذي يجعل الانسان يستمر في الحياة ، لولا الأمل لانعدمت الحياة على الأرض، وإن انعدم الأمل، فلا يستطيع الانسان أن يعيش دائماً مع الشكوى والمرض والألم في هذا العالم ، حتى القاتل أو المحكوم عليه بالاعدام الذي يجرونه إلى حبل المشنقة يأمل في انقاذ نفسه، يستعطف الآخرين من خلال ملامح وجهه يستثير شفقة الناس كي يعفو عنه الملك أو يصدر قراراً بعدم شنقه.
    مازال الأمل يسيطر على كُلجين، وأرادت أن تنقذ نفسها من هذا القدر المكتوب على جبينها وتصنع قدرها بيدها، وتنقذ نفسها من الحظ الأسود.
    لم يبق لكُلجين سوى العجوز بيزى، وهي عجوز ساحرة، أعادت كثير من الفتيات إلى أهلها بقوة السحر، وردت العرسان وفسخت الخطوبات، وبفضل السحر قربت قلوب آلاف الشباب والفتيات وشاركت في طلاق الكثيرين من الازواج.
    التجأت كُلجين إلى العجوز،لاذت بها، أمسكت بطرف ثوبها وقبلت يدها، وروت ما حدث لها أيتها العجوز، أتمنى أن تنقذيني من نار الجحيم، وما تطلبين من المال ستقدمها والدتي لك، وهي أيضاً لا تريد هذا الزواج). فكرت العجوز فترة ثم قالت لها:يجب أن آخذك إلى الشيخ يا ابنتي، إنه الشيخ شفقت |efqet ، هو الذي يستطيع أن ينقذك من هذه المصيبة.
    اتفقتا على يوم محدد للذهاب إلى الشيخ.
    قدمت العجوز بعض النصائح إلى كُلجين قبل أن يذهبا إلى الشيخ قالتإن الشيخ من عائلة النبي، يتوجب عليك أن تتوضيء قبل أن تزوريه، إنه يعرف روح الإنس والجن ، كلامه جواهر، وفي أقواله حكم قدسية، إن قال لك كن فيكون، قد يكون لكلامه هذا حكمة، يجب ألا تفكري بالسؤ وتحملي قلباً طاهراً، كي يعرف الشيخ رغبتك، ويحقق أملك).
    حفظت كُلجين نصائج العجوز، وعندما دخلت إلى خلوة الشيخ، قال الشيخ:
    ـ أنت عجوز بيز:لم تأتي إلي منذ عدة أسابيع، أين كنت، وماذا جرى لك ؟ أعتقد أن أختك حلت ضيفة عليك، أليس كذلك؟.
    قبل أن تجيب العجوز على أسئلة الشيخ، نظرت إلى كُلجين وهزت رأسها منتصرة، ثم ردت على الشيخ وقالت :هذا صحيح ياشيخي، جاءت أختي لزيارتي، عدة أيام ، لذا تأخرت عن زيارتك.
    قال الشيخ:لايهم! أليست هذه ابنة نورس بك؟
    قالت كُلجين :نعم.
    هرعت كُلجين وقبلت يد الشيخ بحياء واحترام .
    قال الشيخ:كرامة لله الذي في السموات والأرض يا أبنتي، عليك أن تتطهري، وتصلي، ليس لأجل مجيئك. نظرت العجوز مرة أخرى إلى كُلجين وهزت رأسها باعجاب، وكأنها تذكر كُلجين بنصائحها وواجباتها، أما كُلجين فقد كانت ترتجف معجبة بمعرفة الشيخ.
    قال الشيخ:لا حاجة لك أن تكرري لي مصيبتك يا أبنتي، أنا أعرف جرحك وألمك، لم يخبرني أحد أعرفها بنفسي، لاتقلقي، لا تقلقي، أنا والدك، سأنقذك من الكلب المنخور.
    لم يسمح عمر الشيخ أن يقول لأي فتاة كبيرة (أنا بمثابة والدك يا ابنتي) لأنه لم يتجاوز الثلاثين أو خمس وثلاثين عاماً، لكنه نصب نفسه لهذه الأبوة لمكانته الدينية كشيخ، لذا لم تتضايق كُلجين من كلامه، سيما وأن الفتاة قد اقتنعت به تماماً.
    كان على العجوز أن تخرج، وفعلاً خرجت، وتركت الشيخ والفتاة في الخلوة وحدهما، خرجت العجوز من الخلوة كي لايدخل أحدٌ دون اذن ويفسد السحر وفي نفس الوقت كي لا يسمع أحد أن كُلجين جاءت مع العجوز إلى الشيخ. مسد الشيخ يده على رأس كُلجين عدة مرات، ثم وضع يده على جبينها، انحدرت اليد بكل هدوء إلى الأسفل واستقرت على عينيها ووجهها، أمسك بفكها السفلي وهزها، كانت كُلجين واقفة كالتمثال دون حراك، تأثر الشيخ لوضعها، قبّل جبينها كوالدها ثم عينيها واستقر فمه على فمها.
    انتابت كُلجين احساس بالخجل من رحمة الشيخ، ولم تعرف كيف تشكره، ظلت صامتة، لابد أن الشيخ قد وجد وسيلة لانقاذها من نار الجحيم، وهذه من الأمور السهلة لدى الشيخ، يستطيع أن يستحضر روح سيدو آغا إليها، ويأمرها أن تبتعد عن طريق كُلجين، يستطيع أن يجعل الفتاة قبيحة في نظر سيدو آغا، لديه الخطط الكثيرة.
    أخذ الشيخ قطعة من الكلس في يده، ثم رسم دائرة على الأرض، دخل مع كُلجين إلى الدائرة وقال لها: لاتخرجي من الدائرة يا... سأستحضر روح سيدو وأخدره. بقيت كُلجين داخل الدائرة، ثم وضع الشيخ بخوراً على النار، وذهب إلى خلف الستار، بقي فترة . وعندما امتلأت الخلوة بدخان البخور، وأسودت الغرفة، صبغ الشيخ جسمه ببودرة فوسفورية بسرعة، وقد كانت الخلوة مظلمة من شدة دخان البخور كاد أن يتحول إلى أزرق.
    لم تخرج كُلجين من الدائرة، فجأة صرخ الشيخ بصوت جهوري عال: ياهو. . . وقفز من وراء الستار، فتحول جسمه إلى نور وضياء، ارتجفت كُلجين رهبة لصراخ الشيخ، وفزعت، لكن كي تتخلص من سيدو آغا، ومن نار الجحيم، وضعت كل شيء نصب عينيها التعب والخوف والتضحية.
    أسرع الشيخ ودخل الدائرة ، كانت الدائرة صغيرة وضيقة، كي لا تخرج كُلجين منها، فالتصق الجسدان ببعضهما كقالب واحد. مد الشيخ يده إلى روح سيدو آغا وسحبها، لمعت يده النورانية كالبرق في الليلة المظلمة، وأضاءت. ثم حضن باليد الأخرى كُلجين، وضغط عليها كي لا تخرج من الدائرة، ويبطل مفعول الطلاسم، كان الشيخ يتكلم مع روح سيدو آغا ويأمرها. لم تعارض روح سيدو آغا أوامر الشيخ فاستجابة لأوامره كل شيء يسير في طريقه الصحيح. هكذا أخبر الشيخ بل بشر بها كُلجين، ثم ضغط على الفتاة من شدة الفرح في حضنه، وقبّل عينيها ووجهها واستقر الفم على فمها .
    لم تتكلم كُلجين ولم تعارض. قال الشيخ:انزلي السروال الداخلي يا ابنتي. نسيت كُلجين نصائح العجوز بيز في تلك اللحظة، وكأنها استيقظت من غفلة طويلة، نظرت إلى نفسها والى الشيخ، ماذا يريد الشيخ منها؟ لقد فكرت كَلجين بكل شيء كي تتخلص من نار الجحيم ، من سيدو آغا، وتستطيع أن تضحي، لكن ليس بشرفها. فهمت كُلجين نوايا الشيخ وماسيجري لها خلال ثلاث ثوان، بصقت في وجه الشيخ من فورها، وندت منها صرخت لاشعورية، سمعت العجوز صراخ كُلجين ودخلت فوراً.
    قال الشيخ: أيتها العجوز:.... ماهذه المجنونة التي أحضرتها إليّ ؟
    ارتمت العجوز على أقدام الشيخ راجية متوسلة وقالت:التوبة ، لأكن جاريتك... التوبة... استغفر الله العظيم . ثم التفتت إلى كُلجين وقالت: ماذا فعلت يا أبنتي، هيا توبي بسرعة، ألم أقدم لك النصائح؟ يقول لك الشيخ انزلي السروال الذي كان على الحبل في الأعلى كي يحبس فيه روح سيدو آغا.
    عندما نظرت كُلجين إلى الأعلى، رأت فعلاً أن السروال معلق على الحبل، عندها فهمت أنها كانت مخطئة، وارتمت أيضاً على أقدام الشيخ، تطلب التوبة، واستغفرت الله، لكن الشيخ الجليل لم يقبل توبتها إلى أن تدخلت العجوز، وتوسلت للشيخ مرات عديدة. على ألا يتكرر هذا الخطأ مع الشيخ ثانية، ثم عفا عنها الشيخ.
    قبح الله وجه المصادفة، لقد ساعدت الصدفة مرات عديدة السحرة.
    اختلف سيدو آغا مع نورس بك لسبب ما، بعد أن قدم لكُلجين الخاتم والذهب، كان سيدو آغا يأتي إلى زيارة عمه نورس بك كل يوم . وعندما رأت العشيرة أن سيدو آغا قد خدع بنورس بك، وأصبح عدواً له أيضاً، تبرع أربعة شبان في احدى الليالي ودخلوا منزل سيدو آغا وهددوه ثم قالوا له :
    ـ إما نورس بك أو العشيرة.
    لم يتجرأ سيدو آغا أن يخالف العشيرة بهذه السرعة، فبقي في منزله عدة أيام، كان يخاف أن يقتله أحد، عندما يترك سيدو آغا العشيرة ويتزوج من كُلجين، مضت فترة لم يذهب سيدو آغا إلى زيارة نورس بك. وهذه كانت أمنية كُلجين أيضاً، قدم الشيخ لها فائدة كبيرة، لقد أنقذها من نار الجحيم، لكن كان يجب على الشيخ أن يسجن روح سيدو آغا دائماً كي لا يعود ثانية الى كُلجين، لذا كان عليها أن تزور الشيخ كل عدة أيام مرة واحدة. وكلما سنحت لها الفرصة ذهبت مع العجوز إلى الشيخ، يسجنان روح سيدو آغا، طلبت كُلجين أمنية أخرى من الشيخ، أرادت أن تجمع روحها مع روح كاتب والدها سَرْوَرْ Serwer .
    كان سَرْوَرْ شاباً أنيق المظهر وسيم المحيا، طالباً في الجامعة، يحب كُلجين كثيراً ، وتبادلها هي نفس الشعور، لكنه لم يكن من الأغنياء، ولم يكن بمستوى نورس بك كي يصبح صهره.
    وافق الشيخ أمنية كُلجين، إنه يجمع دائماً روحيهما معاً .
    آمنت كُلجين بالشيخ وكرامته، واستسلمت له كلياً كانت تجلس معه، ويشربان ماء الزمزم في الخلوة معاً. وقد كان الشيخ يسجن روح عدوها ، وترسل روحها إلى حبيبها سَرْوَرْ ، عندما تبقى بلا روح، كان الشيخ يحضنها ويمددها بين نوره. فأصبحت كُلجين من اتباع الشيخ قلباً وقالباً، تذهب إليه كل اسبوع مرتين أو ثلاث مرات، وتبقى معه في كل مرة أربع ساعات في الخلوة، وتشرب مع الشيخ ماء الكوثر والزمزم، ويشدها الشيخ إليه، كانت الروح تخرج من جسدها مع روح الشيخ، وينبتان لهما ريش وأجنحة ثم يحلقان فوق الجنة، وفي السموات... مرت سبعة أسابيع على هذه الحال، حتى تحرك في بطن كُلجين شيء ما، لكنها لم تعرف ما هو ؟. لم تدرك أنها عندما كانت تشرب ماء الكوثر والزمزم، كانت تقع فاقدة الوعي، وعندها كان الشيخ يمنح من نوره جزءاً من الشراب .
    لاحظ الشيخ هذا، وعرف أنه سيفتضح أمره بين الناس بعد شهرين أو ثلاثة، لذا كان عليه أن يداوي مريضته بالدواء الذي كان يداوي بها مرضاه مثل كُلجين وهو بودرة من بركات جده... يضع قليلاً من البودرة في كأس من الماء، ويقدم لمرضاه كي يشربوا.
    بعد أن تجرعت كُلجين هذا الدواء، كانت تذبل تدريجياً كالريحانة وتذوب كالشمعة، فاقتعدت الفراش، ولم تملك القدرة على الوقوف، وبعد ثلاثة أسابيع اشتد بها المرض وأنطفأت كالسراج فجأة في يوم ما .
    ماتت كُلجين، لكن شيخاً صغير كان يتحرك في داخلها، وبلا شك كان شيخاً دون ذنب .

  4. #11
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    _______________________________________
    *مجلة روناهي العدد /16/ السنة 1943 الصفحة 5، 6، 7، 8.
    صيد الخنازير
    كنا نمشي في طرقات وعرة، ومشجرة، في وديان عميقة، على الصخور العالية، إلى الاماكن البعيدة... كنت أنا وصديقان لي، ومعنا كلابنا. حملنا بنادقنا على اكتافنا، وتخنصرنا بالزنار، ارتدينا القفازات في ايدينا وفي أقدامنا أحذية قوية متينة، وجوارب صوفية تقينا من برد الشتاء، ونرتدي الثياب الأنيقة الشتوية، وكان فصل الشتاء في الأربعينية، نقصد جبل (منجل) لصيد الخنازير. لم تكن هذه المرة الأولى التي نسافر فيها، بل سافرت عدة مرات في هذه الطريق، أصبح الصيد حاجة ملحة، ورغبة مميتة تجري في دمائنا، تسكرنا، نركب الطرقات كالمجانين، لا نستطيع التخلي عنها. كنا نمشي في النهار، وننام في المغارات ليلاً. بعد ثلاثة أيام اقتربنا من الجبل، وكان الوقت مساءً، والجو شديد البرودة، تعبنا كثيراً، واقتربنا من مغارة (كوف)، عادة عندما نصل إلى المغارة، نشعل النار بسرعة كي نتدفأ ونرتاح.
    وصلنا إلى المغارة، لكن للأسف، كانت مهدمة لسوء حظنا، ولم أعرف مغارات أخرى في هذا المكان، ولم نستطع الرجوع في الظلام لأن الطرقات وعرة، والرجوع مستحيل، فالحيوانات الضارية والمتوحشة كثيرة جداً، احتمينا بصخرة كبيرة، كان المكان ضيقاً جداً، بحيث لم يسعنا وكلابنا، بصعوبة بالغة احتمينا بالمكان وأشعلنا النار.
    هبت ريح عاتية بعد العشاء مباشرة. . . انهمر المطر رذاذاً، وازدادت الريح والمطر كلما توغلنا في الليل، انطفأت النيران، ابتلت ثيابنا، ارتجفنا من البرد، وارتجفت الكلاب، ووضعت أذنابها بين أرجلها، ورفعوا رؤوسها عالية، وارتفع نباحها، يبدو أنهم ينذرون بنتيجة سيئة أو كارثة محتملة.
    بدأت العاصفة تزداد كلما اقتربنا من منتصف الليل، وعندما كانت تلمع الدنيا، كنا نستطيع رؤية الأشياء. نخاف أن تهاجمنا الحيوانات البرية، ولن نستطيع أن نتخلص منها.
    خفت شدة الرياح بعد منتصف الليل، توقف المطر تماماً، تفرقت الغيوم السوداء، ظهرت نجوم في بعض الأماكن من السماء، دبت الحيوية والنشاط فينا، تحرك الدم من جديد في عروقنا . لكن لم تمض فترة ، حتى تجمعت الغيوم الناصعة البياض بدلاً من الغيوم الداكنة، وبدأت تثلج.
    هطل الثلج مع بداية الفجر، وأصبحت الدنيا بيضاء، كان بإمكاننا أن نرى أمامنا، أردنا أن نرجع إلى الوراء، ونحتمي بمغارة ما. اوشكنا أن ننهض، وفجأة هجم علينا قطيع من الخنازير... الخنازير التي كانت تهرب منا مجموعات وقطعان، لكن الآن تهاجمنا بشراسة.
    نحن الأصدقاء الثلاثة، وضعنا ظهورنا إلى بعضنا، وصوبنا بنادقنا باتجاههم، وقد ساعدنا كلابنا أيضاً، كانوا يهجمون على الخنازير. بدأت معركة كبيرة، انتهت الطلقات، وازداد عدد الخنازير رغم أننا قتلنا الكثير منهم. كانت يهاجمنا جماعات، ملبية نداء بني جنسها، يزداد تساقط الثلج، ثم بدأت الزوبعة الثلجية تلفنا، واشتدت العواصف. ظهرت من جديد الخنازير والحيوانات المتوحشة والمفترسة، هجمت علينا، وعلى كلابنا تطلب الطعام، فهي جائعة، بعد أن نفدت طلقاتنا، علقناحرابنا ، قاومناهم فترة باليد، لكن لم نستطع المقاومة. وقع كل واحد منا في مكانه، قُتل كلابنا الثلاثة بعد ذلك سحبت الحيوانات المفترسة جثث صديقين لي على الثلج. كنت في حفرة، امتلأت الحفرة بالثلج، فتشوا عني، غبت عن انظارهم. وقد غطاني الثلج تماماً.
    يزداد الثلج فوق ظهري، ويثقل كاهلي، لم أستطع التحرك، لكن هذه المرة، لم أشعر بالبرد، وكأنني ارتديت الفرو الصوفي، كان جسمي دافئاً. كنت داخل كفن طبيعي أبيض. لا أمل في النجاة. عندما يكون المرء أمام الموت، يتذكر بكل تأكيد نهاية حوادثه التي تمر كشريط سينمائي أمامه. تذكرت أشياء كثيرة وأنا في تلك الحالة. لاسيما كنت اسمع دائماً صوت المرتل قبل /20/ سنة عندما كنت صغيراً (الله حق. . مولاي حق. . . الموت حق).
    كان الصوت صوت الدرويش ، يلبس زياً أخضر، يظهر كل سنة مرتين أو ثلاث مرات ، وفي كل مرة يظهر فجأة دون سايق انذار، اسمر اللون، طويل القامة، ذقنه حمراء. . . علبته التي يضع على ظهره خضراء وأيضاً عمامته. كانت تتدلى من رقبته سبحة خضراء حباتها كبيرة، وعلى كتفه علبة من خشب جوز الهند، وفي يده عصا طويلة، وفي رأسها حديدة. يدور في الأزقة ويصرخ بصوته الحزين (الله حق.. مولاي حق.. الموت حق) كان الناس يجلبون له أطفالهم، يمسد بيده المباركة على رؤوسهم، كان بإمكانه أن يدخل كل البيوت دون أن يردعه أحد، وينام في أي مكان أو بيت يريده. وأن يأكل من البيت الذي يرغبه. كانت جدتي، تحترمه كثيراً، تجلب له الطعام، وكان يمسد يده على رأسي، يقرأ شيئاً ما بهمس وينفخ حولي. كانوا يطلقون عليه (الخال خضر) يظهر فجأة ، ويختفي فجأة، بإمكانه أن يلف العالم كله في يوم واحد. كنت أتضايق تحت الثلج، يسيل العرق من جسمي. تمر في ذاكرتي تلك المشاهد والمناظر، وخاصة منظر الدرويش. . تربيت في بيئة دينية، كنت أعتقد أن الدرويش الذي يلبس الأخضر، أو (ملا خضر) سينقذني من الموت الأكيد، أو يساعدني. الدرويش رجل الكرامات والمعجزات، والذي يستطيع أن يلف العالم كله في يوم واحد، يستطيع أن يلبي صراخ مريده القديم، وينقذني من هذه الضائقة. كنت أفكر بهذه الأمور. سمعت صوتاً هاتفاً يقول لي: (لاتخف... أنا قادم إليك) نظرت إلى الأعلى، طبقات الثلج تراكمت على ظهري، رأيت من الأعلى اسراباً كبيرة من الغربان، تتجه نحوي. ثم حطت بجانبي.
    انتعشت، ردت روحي بأمل ملا خضر، قلت ربما أرسله الدرويش. لكن للأسف كان غراباً طويلاً جداً رأسه مدور كبير، وعلى صدره ريش ناعم، لايشبه الغربان. خاب ظني. . . إنه غرابٌ آكل الجثث. . . يشم الرائحة قبل أن يموت الانسان، هاهو قادم إلى جثتي. لكن هذا غراب أبيض، ذو هيبة وجلال ووقار، ليس غراب آكل الجثث، مسد بمخالبه الفولاذية على رأسي بعطف وحنان، رفعني على جناحيه الحديدية، وطار بي إلى السماء، عندها لم أكن أخاف من الموت. كنت أنظر إلى الدنيا، نظرة تفاؤل.
    عندما فتحت عيني لم أر نفسي على اجنحة الطير، بل كنت في بيتي وعلى فراشي، يرفع الطبيب ذو اللباس الأبيض رأسي ، ويضع الدواء في فمي، نظر أقربائي الجالسون على الطرفين اليّ بخوف، والدموع تسيل من عيونهم، ضحك الطبيب وقال: الآن لاتخافوا. . . لقد مزق الكفن).
    عاد الوعي إليّ، كنت مريضاً منذ عشرين يوماً بحمى التيفوئيد.

  5. #12
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    _________________________________________
    *مجلة روناهي العدد/28/السنة 1945 الصفحة5، 6، 7 .
    الانقلاب الأحمر الكبير
    ـ لانريد الحرب
    ـ لا نريد القيصر
    ـ يعيش الشعب.
    كان آلاف الفقراء وفلاحو بطرسبورغ يتجولون في الشوارع والأزقة في شهر آذار من العام 1917، ويطلقون بصوت واحد معاً تلك الكلمات . وكان القيصر وعائلته وأعوانه ينظرون من خلف النوافذ إلى جمهرة الكادحين والفلاحين والرعاة الصعاليك، ويضحكون، ويقهقهون ثم يقولون:
    ـ يزعجنا عواء هؤلاء الكلاب.
    فعلاً كان القيصر وأعوانه منزعجين. . . ولم يكن انزعاجاً طبيعياً، بل كان غضباً سياسياً، وإن كانت تعابير وجوههم تضحك زيفاً، لكن قلوبهم تبكي حقيقة. فقد تعلق حمى الموت برقابهم، تهتز من تحتهم العروش.
    لم تحدث هذه المشاغبات في شوارع بطرسبورغ فحسب، بل كانت البلاد كلها تموج بهذه الاحداث، فيطالب الفلاحون والكادحون والرعاة بالحرية والتقدم.
    يتألف الشعب الروسي من طبقات كما هو الحال في جميع انحاء العالم هم: الحرفيون والقرويون وأهل المدن، من الفلاحين الكادحين، والرعاة... أهل المدن هم الطبقة البرجوازية الوسطى، الحرفيون هم الطبقة المهنية الحرة، أما الفلاحون الكادحون والرعاة هم طبقة المستغلين، كانت طبقة المهن الحرة تعيش على جهود الطبقة المستغلة، ويتمتعون بملذات الحياة بجهودهم. وكان التعب والبؤس من نصيب الفلاحين والكادحين.
    * * *
    أول من وضع نظام الطبقات الاجتماعي هو كارل ماركس في القرن التاسع عشر، لم يوافق على هذا النظام الطبقي الاخرق، وطورّ أفكاره الماركسية إلى الأمام . كان كارل ماركس يقول دائماً (الدم الذي يجري في عروق الانسان أحمر، لايوجد إنسان يجري في عروقه دم أخضر، ولايحق لأحد أن يعيش على جهد الآخر، ولا يجوز ان يكون الشخص بلا عمل).
    جرت الثورة الفرنسية الكبرى في عام 1789على هذه الأسس، وانكسرت منذ ذلك اليوم شوكة الطبقة الأسياد، واستدرك كل أمة معنى الحرية ومتعتها .
    كان معتنق الفكر الماركسي، وقائد الثورة البلشفية هو لينين، واسمه الحقيقي هو فلاديمير ايليتش ايليانوف، ولد لينين عام 1870 في سينبرسك، في ومنذ نعومة اظفاره بدأ يناضل من اجل الحرية وكرامة الانسان، ويكافح في سبيلها ليلاً ونهاراً، بفكره وعقله ويديه.
    بدأت الثورة الروسية عام 1917، لم يكن انقلاباً مفاجئاً، ولم تكن معجزة، لا، بل كانت ثمرة شجرة كان قد زرعها لينين قبل ثلاثين عاماً، البذرة التي بذرها لينين قبل سنوات في روسيا في الزمن الذي لوى القيصر عنقه وعنق أصدقائه.
    طرد لينين من جامعة قازان عندما كان في السابعة عشر من عمره بسبب علاقاته برجاله الثورة وشنق شقيقه الأكبر الكسندر في نفس السنة.
    كان لينين يحب العلم والتعليم كثيراً وخاصة كان يهتم بفكر كارل ماركس، وقرأ كافة الافكار (الاجتماعية) وخاصة كتاب ماركس الأول بعنوان (المسألة القروية)، وبدأ نشاطه منذ عام 1893 في مدينة بطرسبورغ. . واتجه إلى الكتب الاشتراكية، وقبل كل شيء أراد أن يسن القوانين للفلاحين والعمال، أسس حزباً أشتراكياً ديمقراطياً بين عام 1894 ـ 1898، ,اصدر صحيفة رسمية، ثم اعتقل ونفي إلى سيبيريا، وبقي هناك حتى عام 1900، ولم يتخل عن نضاله .
    بعد أن عاد من المنفى خرج مع أصدقائه الاثنين الأول (مارتوف)، والثاني (توبريسون) من روسيا، وذهبا إلى المهجر مع بليخانوف واكلور وفيرازاسوليست وأصدروا جريدة بعنوان ايسكر. ثم ذهبوا إلى بروكسل، ولم يستطيعوا الاستمرار هناك، فلجأوا إلى لندنودب الخلاف بين جماعة ايسكر ، وانقسم الحزب إلى طائفتين. البلاشفة والمناشفة، كان البلاشفة تحت قيادة لينين، واصدر صحيفة بعنوان (بريود) وفي عام 1905 عاد لينين إلى روسيا، وحدث انقلاب في الفكر والنظريات العامة في روسيا، وانخرطوا في المجال العملي، حدث كفاح مسلح في شهر كانون الأول تحت قيادة الحزب باسم جماعة السوفيت، فحاربوا جنود القيصر عشرة أيام، لم يوافق المناشفة على هذا الكفاح المسلح واراقة الدماء وانضموا بدورهم إلى القيصر والبرجوازية.
    اضطر لينين أن يخرج من روسيا في عام 1907، وبدأ نشاطه السياسي في عام 1912من خارج روسيا. وعندما بدأت الحرب الكبرى في عام 1914، بدأت جماعة السوفيت تظهر من جديد وبقوة أكبر واهتزت بطرسبورغ.
    ظهرت بوادر الثورة الاشتراكية في روسيا تحت قيادة الحزب البلشفي وزعامة لينين في عام 1917 وكانت هذه بداية تاريخ تحويل الطبقة الرأسمالية، وبداية التاريخ والمسار الصحيح والحرية.
    عرض عمال بطرسبورغ عرضاً مسرحياً في شهر آذار من نفس العام، وتجول آلاف الناس في الشوارع والأزقة يرددون: (لانريد القيصر، نريد الحرية، يعيش الشعب...).
    اشتدت نيران الثورة في بداية شهر آذار ، وكان القوزاق والجنود الذين يرسلهم القيصر إلى هؤلاء الجمهرة ينضمون إليهم، ويحاربون شرطة القيصر. . . لم يبق سبيل أمام القيصر... وسقط القيصر عن عرشه الذهبي.
    ومع سقوط القيصر، وجهت ضربة اقتصادية وادارية إلى الطبقة الرأسمالية، وجرت انتفاضة آذار بقوة القرويون والجنود فقط ... بدأت ثورة تشرين الأول بعد ثمانية أشهر، وانتصر البلاشفة في كل الاماكن، وتأسست حكومة بلشفية بزعامة لينين . وفي نفس الوقت أسس أهل المدن والبرجوازيون حكومة بقيادة الأمير لغوف وميلكوف. نشر لينين برنامجه المتضمن من عشرة بنود في نيسان . فجّر البرنامج الوضع في روسيا كقنبلة ثم بدأت ثورة تشرين الثاني، أراد لينين أن ينهي الوضع لصالحه في أيلول، لكنه طهر البلاد منهم في شهر تشرين الأول، انهارت الامبراطورية الروسية الظالمة، وأسس بدلاً عنها اتحاد الشعب السوفيتي.
    اشتهر لينين في العالم أجمع خلال ثمانية أشهر، فازدادت واجبات لينين وكثرت مهامه في السنوات الأخيرة، لكن للأسف امتدت إليه يد المنية.
    استلم قيادة البلاد السوفيتية بعد لينين الزعيم ستالين، وقد حوّل هذا الرجل الفولاذي بلاد السوفيت إلى جنة ونعيم، قدم لهم وسائل الرفاه والسعادة. يحصل اليوم في السوفيت كل امريء على قوته حسب عمله واحتياجاته. . . فالإنسان حر، لايتجرأ أحد أن يظلم الآخر أو يقسو عليه. . . لاتقاس الحاجيات بالعظمة والشيخوخة والأبوة ، بل تقاس بالاعمال المقدمة.
    يوجد الآن بين الشعوب السوفيتية اتحاد قوي، لا فرق بين القوميات الصغيرة والكبيرة، من الناحية القومية والدينية. كل شعب يتكلم بلغته ويكتب بلغته ويقرأ بلغته. ولايمكن لأحد أن يحتقر القوميات الأخرى، بل يعاقب كل من يخالف هذا الأمر .
    * * *
    توجد عدة قرى كردية في بلاد السوفيت، وقد حصل الأكراد على حقوقهم القومية والدينية ، بحيث توجد في كل قرية مدرسة وكولخوز كردي، وتصدر صحيفة رسمية تدعى (ريا تازا Riya Teze )، وهناك دار المعلمين وجامعة. ويصدر أعضاء الجمعيات مئات الكتب الكردية، نتمنى لهم الحرية، ومزيداً من التقدم.

  6. #13
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    ______________________________________________
    *مجلة روناهي العدد /28/ السنة 1945 الصفحة 23، 24 .
    الخاتمة / النهاية
    عندما يكون المرء غير راض عن نفسه، ويشك في مستقبله، فيلتفت إلى الوراء، ويتمعن في أيامه الماضية كعجوز مهترىء يقلب صفحات حياته ولايريد الموت، لكن يفكر في أيامه الماضية، يتذكر شبابه وطفولته، هكذا يعزي نفسه .
    لقد أصبحت أنا مثل أولئك العجائز، أصبحت شاباً عجوزاً أتأمل مستقبلي وما يخبئه لي الأيام القادمة، سراب وشكوك، يلفني الآن ضباب وغبار. أتذكر مثل ذلك العجائز البالية الرثة أيضاً الذين قضوا أيامهم الماضية وخاصة أيام الطفولة، تصدر آلاف الحسرات والآهات من قلبي، واستمد منها لذة النفس، أجمع اليوم أشتات الأوراق الممزقة من تاريخ حياتي، أحاول إعادة ترتيبها، كي أصنع منها كتاب السعادة. تتنوع صفحات كتابي وتتعدد من القسم والذنب، والايام الماضية والنهاية (الخاتمة) لتشكل مجموعة صفحات يضم في كتابي الحزين، ويزداد الكتاب غنىً وتنوعاً، ورغم ذلك تبقى صفحات ممزقة، والخاتمة صفحة من تلك الصفحات.
    حدث ذلك قبل خمس وعشرين سنة خلت تعداداً بالاسابيع والأشهر والسنوات:حدث فجأة داخل بيتنا خبر أو نبأ شاع وانتشر. توفي أخي فتحي بعد مرض قصير جداً دام ثلاثة أيام وفتح باب العزاء، وأنتشر البكاء، كان فتحي يصغرني ببطن واحد فقط، يصغرني بـ سنة ونصف سنة كان ضخماً ذا عيون سوداء، وسحنة بيضاء، أطول مني قامة.
    تأثرت بموته أكثر من أي شخص آخر، لأنني كنت أحبه كثيراً، وكنت أعتبر نفسي مذنباً تجاهه ومسؤولاً عن موته.
    توجد عادة في بلادنا، بحيث تجمع كل عائلة الفواكه الصيفية والخريفية، وتحفظها في الدنان والخوابي، وتحكم اغلاق الفوهة، ثم يخرجونها في رأس السنة، لا تذبل الفواكه ولا تيبس (تجف)، بل تبقى طازجة وطرية . جمعنا نحن أيضاً الفواكه الصيفية، وحفظناها في تلك السنة، وقد ملأنا ثمانية دنان كبيرة، وأغلقنا أفواهها باحكام، توافد الأصدقاء والعائلة أجمع إلى بيتنا في رأس السنة، وانتظر الاطفال الصغار بفارغ الصبر ورغبة ملحة أمام فتح مراسيم الدنان. عندما دخلت والدتي إلى مخزن المونة، فرأت دناً مفتوحاً وفارغاً من محتوياته، خرجت فوراً، وأمسكت بكتفي ثم هزتني غاضبة ، وقبل أن تسألني عن أي شيء بعد! قلت لها فتحي، فتحي هو الذي فتح الدن، ووزع الملبن على أولاد الحارة...) لم يكن فتحي موجوداً في البيت، بل كان ذاهباً إلى عمته في رأس السنة، وعندما عاد، أمسكته والدتي دون سؤال وصفعته بقوة على وجهه، لم يكن يعرف المسكين شيئاً، فبكى بصمت عميق. لكن في الحقيقة أنا الذي كنت قد فتحت الدن، سحبت ما في داخله من الملبن تدريجياً بيدي، لكن لم آخذه لنفسي، بل للحكواتية المذنبة (المرأة التي كانت تروي لنا الحكايات): خجة.
    كانت خجة تروي لنا الحكايات.... لديها طفلان يتيمان، ابنها وابنتها، كانت خجة تدبر أمور معيشة طفليها ومعيشتها عن طريق رواية الحكايات، كانت غرفتها تمتليء في الليالي الشتائية من الأطفال أمثالي ذوي الأعمار /6 ـ 7/ سنوات، وكنا نحن الذين نقدم لها الطعام والشراب والسجائر والأقمشة، وقد كنت مكلفاً بتقديم الفواكه الشتائية في تلك السنة، كنت أخدع والديّ في كل ليلة وأتحجج بأنني سأذهب إلى صديقي خورشيد في المدرسة. وسأدرس معه دروسي، كنت أمر من دهليز ضيق ومظلم إلى المستودع، وأملأ جيوب جاكيتي ومعطفي بالملبن والباقسمة، وأفرغها أمام خجة التي ستروي لنا الحكايات. كانت خجة تقول لي دائماًأحسنت ياولدي، أحسنت) لم تبدأ خجة برواية الحكايات مالم يكتمل عدد مستمعيها، كانت تتجول بنظراتها حولها وتقول :
    ـ هل سادو هنا ؟ أين رمو ؟ لماذا تأخر جمو ؟.
    يحضر المستمعون الواحد بعد الآخر، ثم تبدأ هي برواية الحكايات، لا تمل خجة ولا تتعب من رواية الحكايات، ونحن أيضاً بدورنا لا نشبع (نرتوي) من الحكايات، تخفض صوتها في بداية الأمر، ثم يرتفع صوتها تدريجياً، كنا نتمدد على الأرض كي نسمع الحكايات بشكل جيد، وأحياناً نريد أن نقترب منها، وبعد أن يرتفع صوتها لم نكن بحاجة إلى الاقتراب، كلما تحمست خجة شَدتْنا إليها، وتنتقل روح العدوى إلينا، كانت أيدينا تتحرك دون علم منا، فتتحول الغرفة إلى حمام ساخن من شدة حرارة النار وزفير الأولاد. تشعل خجة السيجارة تلو الآخرى، وتسحب نفثاً منها بعمق، تخرج الدخان من أنفها وتقول بعد ذلك:نعم ، إلى أين وصلناكان الأمير محمد شاباً في العشرين من عمره، رأى في حلمه ابنة ملك الجان، فتخلى عن الحياة من أجل حبها، وهام على وجهه في البراري، صادفه في الطريق سبعة عفاريت، شهر الأمير محمد سيفه ذا الحدين وقطع رؤوسهم الواحد تلو الآخر).
    كانت خجة تروي لنا حكايات الجان والعفاريت، والحوريات والافاعي، وكنا نستمع إليها بصمت قلباً وقالباً، ونندهش من قوة أبطال هذه الحكايات.
    كنت أحب كثيراً حكايات العفاريت ، وأقول لنفسي: آه ياليتني، أصبح ذات يوم مثل الأمير، وأصبح بطلاً لحكايات العفاريت، وليكن لي سيفٌ ذو حدين، كانت روحي تهتز لسماع هذه الأساطير، وكان قلبي يرتعش بهذه الحكايات .
    بعد أن ضُرِب فتحي من قبل والدته، ذهب بصمت إلى زواية الغرفة وجلس فيها وتأثر ، تغير وجه فتحي وانتابته حمىً ساخنة، لم يستطع أن يتحرك من الفراش، واشتدت الحمى عليه في صباح اليوم التالي، لم يستطع الكلام وقد انعقد لسانه، أحضر والدي له الطبيب، فكتب الطبيب الأدوية وقال: (لاتقلقوا، إنه مرض خفيف من نوع الكريب). لكن للأسف لم يفتح أخي العزيز عينيه ورحل عن الدنيا في اليوم الثالث، وتركنا في البكاء والنحيب والتعزية. نعم، مضت خمس وعشرون سنة، ومازالت هذه النهاية الحزينة تسمم حياتي وتقلقني، وأنا بدوري أدعو على تلك العجوز التي كانت تروي لنا الحكايات بألف مصيبة وكارثة في نفسي. لكن، إن كانت ـ تلك العجوز ـ حية ترزق، فلدي الرغبة الجامحة أن أرها ثانية وأقول لها:
    ـ أنا أيضاً وقعت في الحب، حاولي أن تحشريني في الاماكن الضيقة والمظلمة، دخلت أنا إلى عالم العفاريت والافاعي، وأحاربهم، لكن ينقصني شيء واحد فقط هو السيف ذو حدين كسيف الأمير محمد .
    14/4/1943 ـ الجديدة

  7. #14
    kobaniteam
    الحالة: kobani متواجد حالياً
    رقم العضوية: 1
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    الاقامة: المانيا هانوفر
    المشاركات: 13,952
    التقييم: 10

    _____________________________
    *مجلة روزانو العدد/ 2 / السنة 1943 الصفحة 4.
    نادي النصر (سركوتن)
    الصوت الحيوي
    نشرت جريدة (J,n) الكردية الصادرة في السليمانية مؤخراً مقالاً قيماً حول نادي النصر التي يصدرها الشاعر والأديب الكردي توفيق بك (بيرمرد) مقتبسة من مجلة كلاويز ـ المجلة الكردية ـ التي يصدرها مجموعة أقلام كردية متعلمة في بغداد. حول نادي النصر أطلعنا على بعضها، بصراحة إن هذه الجمعية قد تأسست منذ زمن وقد تراجعت أعمالها قليلاً خطت في الفترة الأخيرة بحب و اشتياق خطوات منسجمة باتجاه اهدافها.
    هذا الصوت الحيوي النشيط يخرج من قلوب صافية وأفواه أمينة، سينظف طبقات الصدأ التي تراكمت في آذان الأكراد الجهلة، وتملأ قلوبهم الخاوية بالآمال والاحلام. تلمع هذه الاضاءة من مشاعل المتعلمين، تلك المشاعل التي تبرق أمام علماء المعرفة ورجال الأمة أمثال أمين زكي، رفيق حلمي، علي كمال ومعروف جياوك بك قد قبضوا عليها، سيمحى الظلام والضباب الذي خيم على بلادنا، وتزول الغمامة والضباب التي خيمت على جبال زاغروس، وتملأ عيونهم المحرومة منذ سنوات والتي تبحث عن النور بضياء الشمس.
    * * *
    نرى في الفترة الأخيرة في كل عدد من أعداد كلاويز قائمة بأسماء المتبرعين ورجال الأكراد الكرماء، يقدم كل واحد لجمعيته أربعين أو خمسين، أو خمسة وخمسين ديناراً، ادام الله سخاءهم، وبيّض الله وجوههم. يقول المثلخبىء قرشك الأبيض ليومك الأسود). نحن اليوم ـ الأمة الكردية ـ تأخرنا عن مواكبة الحضارة في كل المجالات، يجب علينا أن نستيقظ نحن أيضاً ونساعد بعضنا يداً بيد وكتفاً بكتف، ونغذي طريق الحياة كي نصل إلى هدفنا ومرادنا .
    _______________________________________
    *جريدة روزا نو العدد /19/ السنة 1943 الصفحة 1 .
    خاتم سليمان
    آه..يا استاذي، ياليتني أمتلك تلك القدرة / الملكة الشعرية التي كنت تمتلكها، لكنت اليوم صوّرت الجمرات والنار المتأججة في داخلي... ياليت .
    كم هو قاس أن أقطع آلاف الجبال والبحيرات، واجتاز آلاف السهول والوديان وأصل إلى هنا، لأستقر في مكان، مثل هذا المكان، وتذبل فيه وردة شبابي، وأطفىء فيه شمعة الفتوة أيضاً، وأقدم عصارة تفكيري لأولاد زيد وعمر وهم يشربون منها. كتبت سبب وحكمة هذا السر في الأيام الماضية، فاليوم لا أريد أن أعود اليها .
    * * *
    صرفت اليوم بعد الظهر تلاميذ مدرستي، أردت أن أخرج الى ظاهر القرية فترة، وأبدد قلقي وأرفه عن نفسي المتضايقة. كنت أتمشى بهدوء على الطريق، أراقب من حولي، يؤخرني منظر جميل أينما وجدته، كنت أنظر إليه بحسرة وآهة وأتذكر وطني الأخضر، وتلك الجبال الملونة تمر أمام ناظري .
    كنت أمشي في الطريق دون هدف ولا إرادة، لا أعرف ما يجري، فجأة تعلقت قدمي بشيء، عندما انتبهت إليه، جفلت، وتراجعت من فوري، كان شكلاً يشبه شكل الفطر، لكن لم يكن حجراً يشبه لونه أي الالوان التي نعرفها، بل كان جسماً غريباً بلون عجيب.
    عندما انتبهت إليه اجفلت، لأننا كنا نسمع دائماً أو نقرأ في الصحف، أن رجلاً وجد شيئاً في المكان الفلاني، أو في المنطقة الفلانية، ثم انفجر في يده، ومات حامله أو أنه قد جرح.
    ما أعرفه من معارك اليوم، أن الأرض والسماء وكل الأماكن قد زرعت بالالغام، فانتابني الخوف عندما رأيت هذا الجسم الغريب ، قلت لنفسي قد تكون قنبلة أو لغماً، وكلما تمعنت النظر فيه، كنت أتراجع خطوة، عندها أدركت أن الروح غالية وثمينة، وكيف يتمسك الانسان بالحياة، بعد ذلك بقيت فترة، أن تلك الروح التي تشيخ وتهترىء دون فائدة ودون سبب في جديدة عرطوز ما الفائدة منها؟ قلت لنفسيفليكن ما يكون) التقطت ذلك الجسم الغريب، وتحسسته بين يدي، عندها سرى تيار كهربائي من قمة رأسي والى أسفل قدميّ سرياناً صعوداً وهبوطاً، وتحولت الدنيا أمام ناظري إلى ضباب ودخان، ثم تلاشى الضباب تدريجياً ، وظهر (لاح) عوضاً عنه كائنان أسودان ـ ديو ـ عفريت ـ يحملان سيفاً في ايديهما، وسألا:
    ـ هل ندمر العالم إن كنت ترغب ؟
    كنت قد سمعت في الحكايات عن بعض الأساطير الخيالية لكن لم أتذكر يوماً من الأيام أنها ستحدث معي مثل هذه الحكايات، رغم أنها حدثت أمام عيني لكنني في الحقيقة كنت أشك فيها، اندهشت امام هذه المصادفة العجيبة صراحة، وتلفت يميناً ويساراً، ثم تمالكت نفسي، قبل أن أجيب على سؤال الكائنين، بادرتهم بالسؤال:
    ـ ما هذا الذي أحمله بيدي؟
    قالا لي: خاتم سليمان، هل ندمر العالم إن كنت ترغب؟.
    ـ لا، أرجوكما، لتبق الدنيا كما هي عليه، لكن أين حضرة سليمان ؟ أمسك كل واحد بيدي وقالا: (أغمض عينيك، بينما أغمضت عيني، وفتحتهما، وجدت نفسي في حضرة النبي سليمان ملك الانس والجان ، فقد كان جالساً على عرش ذهبي، وكانت بلقيس تقف في الطرف المقابل له، وتحمل في يدها كأساً من ماء الكوثر، تقدم لعابدها. ويشرب من ماء الكوثر نقطة نقطة. ثم التفت النبي سليمان إلي وقال:
    سرق جني يدعى(سيدو)مني هذا الخاتم منذ ألفي عام ، وها قد اعدته اليّ اليوم، اطلب مني ماتريده الآن.
    كنت أعرف من قبل أن النبي سليمان هو ملك الحيوانات في العالم، وقد تملكتني رغبة في تعلّم لغة الحيوانات منذ القديم ـ قلت له :
    ـ أرجو من حضرة جنابك أن تعطيني مفاتيح حظائر الحيوانات، ومفاتيح طلاسم اللغة ولهجاتها.
    لم يستهجن حضرة جناب النبي ماطلبته منه، بل أمر فوراً جنياً ما، فأحضر الجني لي مرادي وطلبي. دخلت إلى حظائر الحيوانات، كانت الطيور تفر من أمامي رفوفاً في كل الجهات، وتتجول قطعان الحيوانات معاً، تحدثت مع غالبيتهم، فرحت من بعض الحيوانات وغضبت من الأخرى، وافترقت عنهم. تأثرت للبعض كالخراف والثيران والأرانب، وحقدت على البعض الآخر كالافاعي والعقارب والذئاب الشرسة، والثعلب وابن آوى.
    لم يأذن لي حضرة جناب النبي أن أذهب في ذلك اليوم، لأن البوم والهدهد سيحاكمان في اليوم الثاني، قال لي النبي سليمان يجب أن تحضر هذه المحاكمة) لذا بقيت أيضاً.
    عندما حان وقت المحكمة جلس البوم والهدهد على كرسي الاتهام بجانب بعضهما، قال حضرة النبي سليمان للبوم: جميع الحيوانات يشتكون منك، يقولون إن هذا الطائر هو طائر يجلب الشؤم والدمار وليس له فائدة، أينما يقف أو يقرأ، يدمر المكان الذي حط عليه). ماذا تقول أنت ؟
    نهض البوم ذو الرأس الكبير والعيون الصفراء (يبدو عليه أنه لايفيد بشيء من السيادة) بتثاقل على قدميه وقال: ياملكي، أنت تستمع لكلام الديدان وصراصير الحقول، هم صيدنا منذ قديم الأزمان ، النمل الصغير والكبير عبيدنا أيضاً، لايحق لهم أن يشتكوا ويحاكمونا.
    نهض وكيل النمل عامة، وقد تذكر فراخه(تلك الفراخ التي اكلته البوم في عشه) الصغير، سال بعض نقاط الدم من منقاره، وسحب حسرة من القلب ثم قال:
    أفتح عينيك أيها الأفندي، نحن جيل القرن العشرين، لم يعد هناك عبد ولا سيد بعد اليوم، كل واحد يملك حريته، ارم هذه الفكرة الهرائية من رأسك . لتر عيناك ضياء الشمس، أنا اليوم أطالبك بدماء تلك الفراخ غير المذنبة)، جرت محادثة قوية وطويلة بين الأثنين من Murxan الطيور، كنت أنتظر بشوق ورغبته إلى حكم حضرة جناب الحاكم ، لكن للأسف، ايقظني بكاء طفلي الصغير الذي تجاوز الستة أشهر من النوم.
    انذاك كان البوم يصدر صوته فوق جدار مهدم ، وفي واد عميق وبعيد أيضاً كان الهدهد يصدر صوتاً حزيناً وأنيناً.
    الجديدة 27 /10/1943

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. جميع كتابت الشاعر الكردي قدري جان
    بواسطة kobani في المنتدى واحة الأدب والفنون
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 05-06-2013, 03:08 PM
  2. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09-14-2011, 12:42 PM
  3. الكاتب والمحامي الكردي مصطفى اسماعيل
    بواسطة نزار بري كوباني في المنتدى تاريخ كوردستان
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09-14-2011, 12:42 PM
  4. الكاتب (ماهين شيخاني) في ضيافتنا
    بواسطة narinê في المنتدى النـقاشـات الجـادة
    مشاركات: 50
    آخر مشاركة: 09-14-2011, 12:42 PM
  5. حياة قدري جان
    بواسطة kobani في المنتدى واحة الأدب والفنون
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 09-14-2011, 12:42 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •